أبي حيان التوحيدي
339
المقابسات
والاجرام ، والآخر القلب وهو ينبوع روح الحياة ، وجداوله عروق الأوراد الضوارب الناشرة لروح الحياة في جميع الأعضاء ، والآخر الدماغ وهو ينبوع الحس ، وجداوله العصب المحس الشامل لجميع الأعضاء المحسة . وقالوا أيضا : لما رأينا الطبيعة تحكم أفعالها وتفصلها لعلة ، ورأينا العلة غاية الفعال ، ورأينا غاية أفعالها استيلالها روح الحياة ، لأن الحياة أفضل أفعال الطبيعة التي إياها عمدت وإليها صمدت ، وأول فعلة فعلتها من هضمها الغذاء في المعدة . واحتجوا على ذلك بأن قالوا : لما رأينا أفضل الأفعال وأكثرها وأقواها للحرارة ورأينا ذلك في جملة العالم في الجنس المستحيل منه الجنس النامي والجنس الحي فلما قضينا للحرارة بشرف الفعال ، ورأينا الفعال أشرف أفعال الطبيعة شهدنا أن روح الحياة جزءا من الحرارة . وضربوا مثلا فقالوا : إنما مثل النفس في البدن كالشمس في العالم المسخنة بنفسها الفائضة بخيرها على جميع العالم . وزعم آخر أنها ذات موضع وتغتذى بما يشاكلها من غذاء البدن ، وأنها عين سوى البدن تكون في البدن ، وأنها علامة بنفسها متحركة ، ووصفوها بصفتها فقالوا : النفس نور مفرد لا حر فيه ولا برد ولا طعم ولا عرف ولا صوت ، وضربوا مثلا فقالوا : لما لم نر الابصار تدرك إلا الألوان والآثار بالنور علمنا أن الابصار عاجزة عن العلم بالألوان إلا بإفادة النور إياها ذلك العلم ، ولما لم يكن للشئ أن يفيد ما ليس من جوهره علمنا أن العلم من جوهر النور ، فلما رأينا العلم من جوهر النور علمنا أنه معلول واحد ، والمعلول الواحد لا يكون من علتين متضادتين ، كالحر لا يكون من النار والثلج ، فلما صح هذا عندنا علمنا أن النفس ليست بمخالفة للنور ، فقضينا على النفس والنور بالموافقة وأنهما من جنس واحد قلنا : ورأينا الآذان لا تدرك الأصوات إلا بالهواء الموصل للأصوات إلى الأصمخة ، ولم نر الهواء أوصل ذلك إلا برقته وصفائه المشتبهين بالنور وصفائه ، قالوا : وكذلك رأينا الخياشيم لا تدرك الأعراف إلا بالهواء ، ورأينا